أبي الفرج الأصفهاني

471

الأغاني

ومنها : صوت طرق الخيال فمرحبا ألفا برؤية زينبا أنّى اهتديت لفتية سلكوا السّليل [ 1 ] فعليبا [ 2 ] طرب أبي جعفر الناسك لغناء ابن عائشة أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة عن محمد بن سلَّام قال حدّثني جرير قال : أخذ بعض ولاة المدينة المغنّين والمخنّثين والسّفهاء بلزوم مسجد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وكان في المسجد رجل ناسك يكنى أبا جعفر مولى لابن عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ يقرئ الناس القرآن ، وكان ابن عائشة يلازمه ، فخلا لابن عائشة يوما الموضع مع أبي جعفر فقرأ له فطرّب ورجّع ، فسمع الشيخ صوتا / لم يسمع مثله قطَّ ، فقال له : يا بن أخي ، أفسدت نفسك وضيّعتها ، فلو أنك لزمت المسجد وتعلَّمت القرآن لأقمت [ 3 ] للناس في مسجد / رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم في شهر رمضان ، ولأصبت بذلك من الولاة خيرا ، فو اللَّه ما دخل أذني قطَّ صوت أحسن من صوتك ؛ فقال ابن عائشة : فكيف لو سمعت يا أبا جعفر صوتي في الأمر الذي صنع [ 4 ] له ! قال وما هو ؟ قال : انطلق معي حتى أسمعكه ، فخرج معه إلى ميضأة [ 5 ] ببقيع [ 6 ] الغرقد عند دار المغيرة بن شعبة ، وكان أبو جعفر يتوضأ عندها كلّ يوم ، فاندفع ابن عائشة يغنّي : ألآن أبصرت الهدى وعلا المشيب مفارقي فبلغ ذلك من الشيخ كل مبلغ ، وقال : يا بن أخي ، هذا حسن وأنا أشتهي أن أسمعه ، ولكن لا أطلبه ولا أمشي إليه ؛ قال ابن عائشة : فعليّ أن أسمعكه ؛ فكان يرصده ، فإذا خرج أبو جعفر يتوضأ خرج ابن عائشة في أثره حتى يقف خلف جدا الميضأة بحيث غناءه ، فيغنّيه أصواتا حتى يفرغ أبو جعفر من وضوئه . فلم يزل يفعل ذلك حتى أطلقوا من لزوم المسجد .

--> [ 1 ] السليل : اسم لواد بعينه ، كما نقله ياقوت عن العمرانيّ . وذكر صاحب « القاموس » للسليل معاني منها أنه واد واسع غامض ينبت السلم . [ 2 ] عليب ( بضم أوّله وإسكان ثانيه ، هكذا ذكره سيبويه . وحكى فيه غيره عليب بكسر أوّله ) : واد لهذيل بتهامة ، وقيل : قرية بين مكة وتبالة . قال الزمخشريّ فيما حكاه عنه العمرانيّ : أظن أن قوما كانوا في هذا الموضع نزولا ، فقال بعضهم لأبيه : عل يا أب ، فسمى به المكان . وقال المرزوقيّ : كأنه فعيل من العلب وهو الأثر ، والوادي لا يخلو من انخفاض وحزن . ( انظر « معجم ما استعجم » للبكريّ و « معجم ياقوت » في اسم عليب ) . [ 3 ] كذا في أ ، م ، ء . وفي ح : « لأممت الناس » . وفي ب ، س : « لأممت للناس » وكلاهما تحريف . [ 4 ] في ح : « صيغ له » . [ 5 ] الميضأة ( القصر وقد تمد ) : مطهرة كبيرة يتوضأ منها ، وميمها زائدة والعامة تقول ميضة ( انظر « شفاء الغليل » للخفاجي ) . [ 6 ] بقيع الغرقد : مقبرة أهل المدينة المنوّرة .